شباب الطيور / بقلم: شارا رشيد

شباب الطيور
بقلم: شارا رشيد
ــــــــــــــــــــــــــــــ
“كل المجانين يموتون في الطبيعة مثلهم مثل الطيور، تاركين على وجوه المارة ابتسامة آسية وعيون مليئة بالخجل”.
كنتُ أقفُ لصقَ الجدار الذي يفصلُ حُجرتي عن حُجرة أختي الصغرى، أسترِقُ السمعَ للوعةِ روحها وهي تبكي وتقص على صديقتها خبرَ موتهِ:
في صباح ثلجي استيقظتْ المدينة على نبأ إحترقتْ لأجلهِ القلوب الباردة، فبينما يمرُّ الناس قاطعين المسافة من البوابة الأمامية للحديقةِ العامة الى البوابة الجانبية منها والمطلة على الشارع الرئيسي للمدينة والمؤدي إلى محطةِ الحافلات، مُختصرين بذلك المسافة بين شارعين طويلين مُزدحمين، في ذلك الصباح وجده أحد الباعة المتجولين مُمدداً على مسطبةٍ خشبية، جثة مُتجمدة افترسها الجوعُ والتشردُ والصقيع. كانت عيناهُ تحدقانِ في السماء وكأنه يتضرع إلى الله أن يَكفَ عن عطاياه الباردةِ.
ما أحتاج الرجلُ للتعرف على الجثةِ الهامدة أكثر من لحظات، فمنْ لا يعرف “شباب”، اسم على مسمى، يعبر بقوة عن عنفوان الحياة وقوانينها. ولكن غير هذا الاسم ظل تاريخهُ غامضاً مبهماً ومجهولاً. من أينَ أتى ! وكيفَ تعرفَ على المدينةِ شبراً فشبراً! لا أحد يعرف أسبابَ جنونه فقد أتاهم بجنون مكتمل بلا تاريخ ولا مستقبل. لكن الذي لم يكُن يخفى على أحد أن الحديقةَ العامة بأشجارها الباسقة كانت مأواهُ وملاذهُ، يَهربُ تحتَ ظِلالها من حرارة الصيف، ويفرشُ الكراتينَ على الكراسي الخشبيةِ لتقيه لسعةَ برد الليالي، يَقضي نهاراته يسرحُ بين الأزقة والشوارع يلملمُ فتات الخبزِ من حاويات النفايات ويخبأها في جيوبهِ ليطعمها لحمام وعصافير الحديقة… وقد اعتاد على مناداتها، فليسَ غيرها تُنصتُ إليه، تفهمهُ، وتنزل تلتقط من يده نعمته الفائضة، وتتزاحم فوق رأسهِ… كان هذا كفيلاً بفرحه ومبعث رقصته الهوجاء، وقال بعض الناس إنهم شاهدوهُ يحلق مع الحمام بلا جناحين.
بعد أيام قلائل من دفنهِ، هجرتْ الطيور والعصافير الأشجار ولم يعد الزائر يرى طيراً في الحديقة، ولا يسمع زقزقة ولا خفقة جناح. وقيل إن أسراباً منها تحطُ فوقَ قبرهِ مساءً قبل عودتها إلى أعشاشِها.